أُدرّس في كلية للبنات، وفي إحدى محاضرات (تفسير آيات الأحكام) تعرضنا لتفسير قوله تعالى: {لرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}(النساء: 34)، فأحببت أن أستطلع مفهوم الطالبات عن القوامة، وكانت المفاجأة!!
أجمعت أكثر من سبعين طالبة على أن القوامة تعني الإنفاق والخدمة، ولا علاقة لها بولاية الرجل على المرأة! لم تخالف منهن سوى طالبة واحدة!
وعندما سألتهن: من أين عرفتن هذا المعنى، لم تشر واحدة منهن إلى الإنترنت أو التليفزيون مطلقًا، بل كانت الاجابات هكذا: “معروفة، دا كلام العلماء والشيوخ، موجود في الكتب، عرفناه من كتب التفسير”!!. وبالطبع فإن هذا المعنى موجود فقط عند بعض العلمانيين وجمهور النسويات وعدد من الدعاة الجدد الذين يعملون بمبدأ (ما يطلبه المستمعون).
الغريب أنه لا توجد واحدة منهن تعرف شيئًا عن الحركات النسوية، لكنهن مع استمرار المناقشة لا يخفى أبدًا أنهن متشبعات بالأفكار النسوية حتى النخاع!!
واحدة منهن تبدو عليها علامات التدين، تجادل في ضرورة استئذان المرأة زوجها قبل الخروج من المنزل. وتقول بالحرف: “يعني أستأذن عشان أروح أزور أمي”؟
قلت لها: نعم بالضبط.
قالت: “ماشي، بس هو يستأذن كمان لما ييجي يخرج”!
هؤلاء الطالبات فيهن الحافظات للقرآن والمنتقبات والسلفيات والمتدينات، لكنهن متفقات بنسب متفاوتة على الاقتناع بخرافات النسويات من أمثال نوال السعداوي وغيرها. ليس لأنهن يعرفن هذه الشخصيات معرفة مباشرة، لا بل لأنهن تشربن أفكارهن عن طريق وسائط إعلامية كثيرة غزت عقولهن دون شعور منهن أو إدراك.
قلت لهن بكل وضوح: هذا الفكر يصلح لحلبات المصارعة، لكنه لا يصلح أبدًا لبناء الأسر، واستقرار البيوت، ولو كان لي أخ أو صديق يريد أن يتزوج سأنصحه بأن يراجع نفسه مائة مرة قبل أن يورط نفسه مع واحدة تحمل هذا الفكر البائس!!
تركنا موضوع المحاضرة وفتحنا حوارًا حول الحركات النسوية، ونشأتها وأفكارها، ورموزها، وتحريفاتها لنصوص الشرع، وتلاعبها بأحكام الدين.
كثيرات منهن قلن: هذه أول مرة نسمع عن هذه الحركات!
ليس المقصود هنا ذم هؤلاء الفتيات، بل على العكس هؤلاء طالبات علم على قدر كبير من الصلاح والتدين وتعظيم الشرع، لكن الموضوع كبير، والحرب شرسة، والدفاعات متواضعة، وعقولنا جميعًا -فضلاً عن عواطفنا ومشاعرنا- ملوثة بنسب متفاوتة، الروايات والكرتون والأفلام والمسلسلات والميديا تواصل مهمتها في خلخلة الثوابت، وزحزحة الأصول، وتزوير الثقافة، هذا إذا كانت أصولنا وثوابتنا حاضرة في حياتنا فعلاً، ولم يكن حالنا كما قال الشيخ الغزالي رحمه الله: الغزو الفكري يمتد في فراغنا!!
____________________
* المصدر: موقع الألوكة، 9/3/2023، بتصرف يسير.


