انتشرت في مواقع الحوار بالإنترنت مقالة مختصرة تصف اللغة العربية بظلم المرأة، وتستدل على ذلك بأن الرجل يوصف بأنه حي، ومصيب، ونائب، وقاضي، وهاوي، بينما ما يقابل هذه الصفات للمرأة، هي: حية، ونائبة، ومصيبة، وقاضية، وهاوية، وكل هذه الصفات منكرة، مذمومة؛ مما يعد ظلمًا، وتمييزًا ضد المرأة وفقًا لما يرونه.
وهذه الدعوى ليست جديدة؛ فقد قرأتها قبل سنوات عديدة في مقال في مجلة الدوحة القطرية بذات الأمثلة والاستشهادات، وهي عندي صدى لمقالات الحركة النسوية النوعية التي انتظمت المجتمعات الناطقة بالإنجليزية، وطالبت بتغير كلمة history، وتعني التاريخ إلى كلمة herstory، وتعني قصتها؛ لأن الحركة ترى أن أصل الكلمة ينحاز للرجل، ويجعل (التاريخ) كله (قصته): his – story، بل ذهبت الحركة إلى أبعد من ذلك حينما قامت بطبع نسخة معدلة من الإنجيل تراعي مفهوم الجندر؛ فغيروا كلمة Man إلى Person، وSon إلى Child، وغير ذلك.
وتطوعت بعض المتغربات بترجمة هذه الأفكار إلى الواقع العربي؛ فجاءت الأردنية زليخا أبو ريشة لتقول في مؤتمر بصنعاء: “إن أقدم كتاب كرس محو الأنثى، وكرس السلطة الذكورية كان في التوراة ابتداء بفكرة الله المذكرة”!.. تعالى الله عما تقول علوًا كبيرًا.
وبعيدًا عن دوافع الحركة النسوية، هل ظلمت اللغة العربية المرأة؟ الإجابة: “لا”، وألف “لا”؛ لأن الأمثلة الإيحائية التي ساقوها للتدليل على هذا الظلم المتوهم ليست حقيقية؛ لأسباب عديدة منها:
أولاً: الكلمات التي ساقوها لها أكثر من معنى، وهي كذلك في أغلبها بالنسبة للمذكر والمؤنث؛ فلماذا يذكرون المعنى المنكر في شأن المؤنث ويتجاهلونه في شأن المذكر؛ ففي اللغة يقال: خطب نائب، وشر مصيب، وضرب قاض، ودرك هاوٍ؛ فلماذا لايرون هذه الصفات ظالمة للرجل؟!
ثانيًا: هناك صفات سالبة تستخدم للرجل دون المرأة، مثل: كلمة طاغية، داهية، باقعة ونحوها، ولا تصلح لوصف المرأة؛ فلماذا لا يرى الرجال أن اللغة ظلمتهم؟!
ثالثًا: هناك صفات تحولها تاء التانيث إلى معنى جميل مرغوب، فتقول للمذكر عاف، وللمؤنث عافية، والعافية هي مطلب الجميع، وكذلك يقال في صفة المذكر فاغ، والفغا هو داءٌ يقع على اليسر مثل الغبار؛ كما قال ابن الأعرابي؛ بينما الفاغية: هي أحسن الرياحين وأطيبها رائحة، وغير ذلك كثير.
رابعًا: لا يشترط في تأنيث الصفة أن تلحقها تاء التأنيث دائمًا؛ فمن الصواب أن يقال: حرمك المصون، والعطوف، والطموح، والقاضي، والنائب، وهي بذلك تستوي مع المذكر؛ فأين الظلم في هذا؟!
إن القائلين بظلم اللغة العربية للمرأة جاهلون باللغة، متعصبون ضدها، انتقائيون في اختياراتهم، لا حجة لهم في شيء مما قالوا.


