المرأة على يقين تام أن مهمتها الأولى هي الأسرة أيّا كان دورها أمًا أو بنتًا أو زوجة، وهذا الدور لا يمنعها من العلم والمشاركة وبناء الحضارة، ولكن وفق معايير شرعية وقيمية عرفتها المجتمعات الإنسانية بفطرتها السوية. ولكن هذا اليقين أخذ يتزعزع تدريجيًا لدى المرأة المعاصرة لعدة أسباب، من أبرزها غياب الوعي الشرعي لدى الرجل والمرأة بحفظ حقوق وواجبات كل منهما، قاد ذلك لتسلط الرجل في بعض الأحيان وقمع المرأة وتحجيم دورها فيما هو مباح لها، وبعيدًا عن الإضرار بها.. دون فقه أو فهم أو بيّنة، وليس هذا في حق جميع الرجال، ولكن ذلك قد تنامى في المجتمعات التي بعدت عن نور الوحي كالمجتمعات الغربية وأقصى الشرقية.
وهذا دفع بالمرأة للتمرد ومحاولة الخروج على سلطة الرجل، لاسيما القريب منها الذي رأت منه القسوة، بينما الرجل البعيد الغريب كان ناصع الصورة في ذهنها، فكان اقترابها منه في الشارع والعمل والدراسة مطمئنا لها… هنا انتكست المفاهيم، والعلاقات، والعواطف عند المرأة، فرأت الغريب حافظًا لحقوقها أكثر من القريب.
فكان ذلك من أسباب الصراع بين المرأة والرجل، ونتيجة هذه الأزمة زادت مطالب المرأة، وزادت قسوة الرجل؛ مما حمل الحكومات والمنظمات لتبني صوت المرأة ومنحه الشرعية، بالإضافة إلى بعض المصالح المادية التي كسبتها الأنظمة الاقتصادية من خروج المرأة، حتى لو كان على حساب المؤسسة الأولى (الأسرة)، ومع مرور الوقت انعدم اليقين لدى المرأة بتلك المهمة الأولى لها في أسرتها؛ نتيجة زحف الشعارات البراقة الخادعة لها بالمساواة المطلقة، والحرية الكاملة، وتشويه دورها الفطري، ووصمه بمصطلحات الأسر والقيد، وإلحاق المرأة بطبقة العبيد في مهمتها الأنثوية الأسرية.
وبالنظر إلى هذه الأزمات التي تعيشها المرأة المعاصرة، نجد أنها تعيش أزمة مفاهيم، ما بين مفاهيم شوهت في نظرها فآمنت بذلك، ومفاهيم هي زيف في حقها فصدقت ذلك الزيف فانقادت له. ومن أشد تلك الأزمات المفاهيمية المعاصرة التي أثرت على المرأة تأثيرًا سلبيًا هي أزمة الفكر النسوي.
السياسة والاقتصاد والفكر النسوي
وكانت بداية تلك الأزمة حينما ولدت النسوية في المجتمع الغربي من رحم الظلم الاجتماعي للمرأة، وترعرعت هناك وقوي عودها، وقوي معها وضع المرأة الغربية، وبدأ الظلم الاجتماعي يتلاشى شيئًا فشيئًا عنها لتحصل على الكثير من حقوقها الأسرية والمجتمعية، مع ما في هذا الحصول من تطور غير مسبوق للمجتمعات أو إهمال كبير لبعض الجوانب المهمة، وليس القصد هنا نقد منظومة حقوق المرأة الغربية، ولكن بعد أن أصبحت الأنظمة الغربية تعترف بحقوق المرأة وفق مطالب نسائهن، وموافقة رجالهن، يأتي سؤال مهم لابد أن تقف الشعوب للإجابة عنه وهو:
لماذا لا زالت الأنظمة السياسية الغربية، والمؤسسات الاقتصادية، والجمعيات الحقوقية الشاذة ترعى الفكر النسوي وتوقد شعلته، وتطور أفكاره، وتنتج من التطبيقات الإلكترونية الشاذة الداعمة له الشيء الكثير؟
لا يوجد إجابة مقنعة تجاه هذا التكاتف المؤسسي الغربي لدعم الحركة النسوية إلا الرغبة في الهيمنة العالمية.
فبالرغم من تصالح المرأة الغربية الكبير مع ما وصلت له من الحقوق وما تنعم به من مميزات، إلا أن القوى السياسية الغربية رأت أن المرأة هي ورقة الاستعمار المعاصر الرابحة، فقامت تلك الكيانات السياسية بالتعاون مع مطالب الجمعيات الشذوذية لديهم ومع بعض أراء المفكرين المهتمين بتبني كل ذلك، وتأجيجه إعلاميًا، زاعمة أن الضغط الشعبي هناك بلغ أواره لتلك المطالب الشاذة المنادية بتعدد الأسرة، وتبديل الأدوار، وإقصاء الرجل، ومناهضة السلطة، والحق في العلاقات المحرمة، بما فيها المثلية، وصوروا تحقيق ذلك أنه وجه من وجوه العدالة المجتمعية.
بعدها وصل التوجيه للمؤسسات الاقتصادية أن هذا سوقها الرائج، وبورصتها الرابحة، فبدأت الأنظمة الاقتصادية تتبنى معطيات الطلب النسوي بدءًا من الشعارات حتى التوظيف المطلق، مرورًا بجعل العامل الاقتصادي هو أحد مناط الظلم العالمي للمرأة في كل الشعوب، واستغلال ذلك مبررًا للتشريعات القانونية الداعية للحرية والمساواة دون قيد أو شرط؛ مما جعل الأدوار تختل، والحياة الروحية تزيد انفصامًا في نفس الفرد.
هذا التعاضد المؤسسي الغربي جعل الذكر والأنثى في الحياة الغربية في حالة صراع استهلاكي، وصراع فكري، وصراع علاقات شاذة؛ ونتيجة ذلك برزت المؤسسات الإنسانية كمحامٍ أمين لتقول لابد من تشريعات قانونية تتيح للمرأة ممارسة هذا الصراع تحت غطاء قانوني آمن، ولا يتأتى ذلك إلا بمعاهدات ملزمة للأنظمة السياسية بالاعتراف، وتشريع التدابير.
بعدها لعبت الدعاية الإعلامية دورًا كبيرًا في عولمة القضية، وصورت أن تلك الحالات الفردية في الشعوب هي الواقع الاجتماعي، ولابد من إخضاع الجميع للأخذ بالهيمنة والتدابير الغربية، وجعل المنظمات الغربية هي المحتكم في ذلك.
هنا عاد الغرب ليصنع أزمة مفاهيمية ذات منظومة متكاملة من مؤسساته، صُدِّرت بعدها للعالم بطريقة ناعمة، تحت ظل الدعوات المصلحة والشعارات البراقة.
ومع كل هذا التكاتف المؤسسي الغربي، هناك صيحات غربية عالية أيضًا تتوالي بين فينة وأخرى، وتظهر لنا وكأنها تتباكى على حال المرأة عالميًا، وهم من جعلوا المرأة عندهم تحت مقصلة السياسي المتطرف، والاقتصادي الطامع. وبعد انتهاء دورها لديهم بين مسرح السياسة والدعاية الإعلامية الخادمة للعجلة الاقتصادية لا أحد ينظر لها وهي أرملة، أو طاعنة في السن، أو مريضة مقعدة. فهنا تنتهي لعبة النسوية، ويسدل الستار على مسرح حقوق المرأة، بغية أن يبقى المشاهد العالمي مفتونًا بها فقط وهي طفلة تترعرع، وشابة تتمايع.
فأين الموروثات الدينية هنا؟ وأين قيم الإنسانية التي عاشت بها شعوب الأرض؟ وأين حقوق الفرد والجماعة ذكرًا وأنثى؟… لا شيء منها يذكر إذا ذكرت النسوية.
______________________
** المصدر: مجلة يقظة، باختصار وتصرف.


