عنوان غريب، ماذا تعني مركزية المرأة؟ ولماذا المرأة مركز؟ وهل هذا يعني أن كل شيء يتمحور حولها؟ وإن كان ذلك فما المشكلة أن تكون للمرأة المركزية المطلوبة، وأن تكون هي المركز في المجتمع والحياة ويتمحور كل شيء، وتصمم القوانين خصيصًا لها؟ أليست هي الأم والأخت والزوجة؟ أليست هي نصف المجتمع حتى تستحق أن تكون مركزًا؟.. أحدهم يسأل هذه الأسئلة؟!
مركزية الإنسان والغاية من خلقه
في الحقيقة يجب أن نقرر مبدأ، وهو أن الانسان لم يخلق في هذا الكون إلا لعبادة الله وإعمار الأرض بالطاعة والخير، ودليل ذلك قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56)، وأدلة أخرى على هذا، فالقرآن آياته كلها تتحدث عن الغاية الأساسية والحقيقة لوجودنا في هذا الكون، وهي توحيد الله وإفراده بالعباد والخضوع له وحده سبحانه وتعالي، من هنا نعي لماذا خُلق الإنسان؟ وما هو السبب الرئيسي من وجودنا في الحياة، وأن الإنسان ليس هو مركز الكون بل هو جزء من هذا الكون، وهو مخلوق لعبادة الخالق، صحيح أن الإنسان هو المخلوق العاقل بين جنس المخلوقات، والله سخر بقية المخلوقات له، لكن هذا لا يعني أن تتمحور المركزية حوله كما في الدعوات الإنسانية، لكن هذا يعني أن الإنسان حمل الأمانة التي لم تحلمها المخلوقات الأخرى، كما في قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} (الأحزاب: 72).
ومن هنا فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي لديه الحرية في الاختيار بين طريق الشر والخير، وهو المحاسب في الآخرة ولا أحد غيره؛ لذا هذا يجعله الكائن المسؤول عن أفعاله، ومطلوب منه العمل لتحقيق الغاية التي وجد من أجلها، وهي إعمار الأرض بالخير والطاعة لله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56)، وليس أن يكون محور الكون، وتتركز عليه الحقوق بدون واجبات، فالإنسان في المنظور القرآني هو مخلوق لله عز وجل، مكلف بواجبات وطاعات وله حقوق محفوظة، إن قصر عوقب، وإن تعدى أحد على حقه نُصر، وهذا هو منظور القرآن للإنسان.
مركزية المرأة وفساد المجتمعات
أما المنظور الغربي الإلحادي، فقد ألغى الدين في حياة الإنسان، وركز على جوهر الإنسان ومتعته دون أي مسؤوليات عليه، وغاص في فردانية مطلقة، وهذا الفكر بدأ في القرن التاسع عشر الميلادي، وبعد منتصف القرن بدأت النسوية في الظهور والدعوة لحقوق المرأة.
ثم انطلقت من دعوة للمطالبة بحقوق المرأة إلى جعل المرأة هي المركز، وكل الحقوق تتعلق حولها دون وضع أي مسؤولية عليها، ومن هنا انطلقت مركزية المرأة، فلم يعد مطلوبًا منها أن تخدم المجتمع وترعى أبنائها، ومشت في السياق الغربي الفرداني، وأصبحت المرأة في نظر النسوية هي المركز، بدلاً من المجتمع، بل وحتى الدين، فأصبح كل شيء يطوع للمرأة، فالنصوص الدينية يجب أن يعاد فهمها حتى تتسق مع المفهوم النسوي، وإن كان النص ليس متواترًا تواترًا قطعيًا -وفقًا للقواعد الأصولية- فيمكن إنكاره وتغييره، مثل ما يتم التعامل مع نصوص طاعة الزوج وإنكار معظم نصوص السنة؛ لذا تجد كثيرًا من النسويات المتسترات بستار الإسلام تحاول الطعن في صحيح البخاري ومسلم؛ لأنه في نصوص السنة ما يقف حائلاً أمام إفسادهم، مثل عدم جواز خروج المرأة من المنزل دون أذن زوجها، حرمة تغيير خلق الله، فهم يطعنون في السنة، ويحاولون تأويل النص القرآني بتحريف معناه، كما يحاولون تفسير آية الميراث والالتفاف على معناها .
قد تتساءل بعضهن ما المانع أن تكون المركزية نحو المرأة، وأن تكون هي مركز المجتمع ومحط الاهتمام؟ فالشريعة جعلت برها أعظم البر، ورتبت على رعايتها صغيرة الكثير من الأجر، والقرآن قد سمى سورة كاملة بالنساء، والجواب بأن الشريعة جاءت للكل، والرعاية كانت كون المرأة هي العنصر الأضعف؛ لذا رتبت المسؤولية للرجل وجعل المرأة تابعة له وتحت مسؤوليته، فالشريعة جاءت كاملة متوازنة حيال هذا الأمر، لكن جعل المركزية للمرأة في المجتمع يعني دمار المجتمعات وزوالها وإغراقها بالفساد.
وهذا الحاصل عبر دعوات استقلالية المرأة بالسماح لها في العمل بكل الوظائف، دون اعتبار لاحتياجاتها الجسدية والنفسية، والزج بها في صعوبات الحياة ومواجهتها دون عائل ينفق عليها وأسرة تدعمها وترعاها كما في المجتمعات الغربية، فالفتاة بعد بلوغها قد يتم طردها من المنزل، وتعمل في كل الوظائف التي لا تستطيع منافسة الرجل فيها، وهذا ما يجعلها حتى تعرض جسدها من أجل العيش وإكمال دراستها، ومن ثم الدعوة لحرية الجسد، فهي حرة في جسدها، تفعل فيه ما تشاء، وتحت هذا العنوان يتم إباحة كل الفواحش من الزنا والشذوذ دون أي عاقبة، ومن ثم تتنقل إلى حرية الإجهاض وقتل الأجنة الذين لا ذنب لهم في الحياة سوى إنهم كانوا ضحايا لنساء اعتنقوا الفكر النسوي، وصدقوا بأنهم هم مركز الكون، وأنه يحق لهم بأن يفعلوا أي شيء حتى لوكان تقطيع طفل حي في وحشية لم يشهد مثلها تاريخ البشرية، حيث يتم قتل الأجنة عبر الإجهاض بالملايين، ومن يسلم من القتل جنينًا يلقى به في الملاجئ؛ بحجة أنهم يريدون عيش حياتهم، في دمار كامل لمعنى الأسرة.
تؤدي فكرة مركزية المرأة إلى مزيد من الأنانية والوحشية في المجتمعات وضياعها، بل وانحلال البشرية كما يحصل في بعض الدول التي تواجه نقص عدد السكان بسبب سياسيات الفردانية، وجعل المركزية للفرد وبالأخص المرأة؛ فضاع مفهوم الأسرة ولم يعد يتحمل الرجال مسؤوليتهم لأن المرأة هي المركز، وأصبحت العلاقة الزوجية مدمرة.
كما ازدادت أرقام العنف في الغرب ضد المرأة ولم تنقص، وذلك رغم كل القوانين التي وضعت في اتجاه تحقيق مركزية المرأة تحت حجة حماية المرأة، فالضغط يولد الانفجار، والخروج عن النواميس الطبيعية التي وضعها الله للكون والفطرة لن يولد إلا الأسوء والمزيد من المشكلات، وهذا ما تعانيه البشرية كما في الغرب والشرق، وها هم العرب يلحقونهم عبر فرض القوانين المجحفة، وعدم رعاية الأسرة، وانعدام تحقيق التوازن في العلاقة بين الرجل والمرأة.
والحل للخروج من هذا المأزق التي وضعت البشرية نفسها فيه لا يكون إلا بالعودة للفطرة التي خلقها الله في البشر، بأن يعود الرجل هو المسئول والقوام على الأسرة والعائل لها، والمرأة ترعى الأطفال وتهتم بالأسرة، وفق توازن دقيق كان موجودًا في الخليقة منذ خلقها الله حتى حصل الشذوذ في العقود الأخيرة، والإسلام قد راعى الأحكام الاجتماعية للمجتمع في توازن دقيق وتشريع معجز، ضمن للمجتمعات الإسلامية حياتها وقوتها حتى في أحلك أيامها، ولن تعود القوة للأمة إلا بالعودة إلى أحكامه وتطبيق مقاصده السامية من حفظ الأعراض والنسل.
____________________
** المصدر: موقع رد بيل عربي، 8/9/2021.


