منذ أن بدأت كتابة المقالات الأسرية، كنت أركز بشدة على المحتوى التحريضي للمرأة، أو بشكل أدق: المحتوى التحريضي النسوي. لكن بعد مقالي الأخير: “حتى لو لجأت إلى القضاء.. صالحها، وجدت نفسي وجهًا لوجه أمام محتوى تحريضي ذكوري لم أكن أتصور حجم انتشاره، مئات التعليقات الهجومية انهالت على المقال.
اتهمني بعضهم بالترويج للدياثة، والخضوع، والخنوع، وفقدان الكرامة، والنسوية، إلى آخر تلك الاتهامات، مع أن المقال في حقيقته لم يكن إلا دعوة إلى الصلح، أكدت فيه أن هناك حالات يحق للزوجة فيها أن تلجأ إلى القضاء، وتحتكم إلى شرع الله عز وجل، وأن لجوءها المحق إلى القضاء لا يغلق باب الصلح، وأن لجوءها إلى القضاء ثم ندمها قبل صدور الحكم لا يغلق باب الصلح، وأن لجوءها إلى القضاء ثم ندمها بعد ذلك، ورغبتها في الإصلاح، لا يغلق باب الصلح، فالله تعالى حين أمر بالصلح والإصلاح بين الزوجين لم يفرق بين صلح قبل القضاء أو بعده، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
هنا أدركت أننا بحاجة إلى التركيز على الخطاب الذكوري التحريضي، كما ركزت على لخطاب النسوي التحريضي، قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾.
نصائح تتحول إلى قواعد عامة
في البداية، تتحول النصائح الفردية إلى قواعد عامة، لا تعرف استثناءً، ومن هذه النصائح:
لا تتزوج مطلقة.
لا تتزوج مطلقة محاكم.
لا تتزوج ذات ماضٍ حتى لو تابت وندمت.
لا تتزوج موظفة.
لا تتزوج من بيت لا رجل فيه.
لا ترجع الناشز التي خرجت من البيت.
لا تصالح التي لجأت إلى المحكمة لطلب الطلاق أو النفقة.
لا تصالحها إلا إذا تنازلت عن كامل حقوقها.
شطينة المرأة
ثم تبدأ شيطنة المرأة على النحو التالي:
المرأة كاذبة في عواطفها.
تنظر إلى جيبك أولاً.
تستبدلك مع الأغنى.
تخونك دون أن يرف لها جفن.
تبيعك من أجل عملها.
تطيع مديرها ولا تطيعك.
تفشي أسرارك.
تستنزفك حتى لا يبقى لك رمق.
تجعلك خادمًا لأنوثتها المدللة.
تجعلك خادمًا لأهلها.
لا تفكر إلا في رغباتها.
تعميم التوصيفات
ثم تأتي التوصيفات على النحو التالي:
أنوثة مدللة.
سلافع.
أفاعٍ.
ملوثات.
نرجسيات.
سامات.
إلى آخر قاموس التحقير والتعميم.
مظلومية الرجل
وهكذا، كل رجل يمر بأزمة مع زوجته يجد أمامه خطابًا يؤكد له أنه المظلوم دائمًا، وأنها هي المذنبة دائمًا، فيقرأ واقعه بعين التحريض، لا بعين العدل والإنصاف، فلا يعود يراها إلا شيطانًا، ولا يعود يرى نفسه إلا ملاكًا.
وبناءً على ذلك،فعند بعض المتأثرين بهذا الخطاب، يصبح كل خطأ من الرجل مبررًا، وكل خطأ من المرأة مُشيطنًا، حتى يُعطي بعض الناس لأنفسهم حقوقًا ما أنزل الله بها من سلطان، كأن يحق له أن يضربها، ويخنقها، ويهددها بالقتل، ويخونها، وليس عليها إلا أن تصبر، ويهجرها بالأيام والأسابيع والشهور والسنوات، ويمنع عنها النفقة، ويتزوج دون أن يعدل، ويشتمها ويشتم أهلها، ويمنعها من زيارة أهلها، ويضيق عليها حتى لا تجد مساحة تتنفس فيها، ويتركها بلا طبابة، ويسطو على مالها، فإذا اعترضت، قالوا: ناشز.
ثقافة الصلح القرانية
أما نحن في ثقافة الصلح، النابعة من القرآن الكريم والسنة النبوية، فإننا نواجه هذا الخطاب الذكوري التحريضي، كما نواجه الخطاب النسوي ومتفرعاته.
فالإسلام دين الفطرة والعدل، دين السكن والمودة والرحمة، دين الميثاق الغليظ، دين القوامة الراشدة والطاعة المبصرة، دين الشورى واحترام الرأي، لا ذكورية ولا نسوية، بل وسطية واعتدال، وصلح وإصلاح، وعدل وإحسان، همُّنا اتباع ما أنزل الله، لا ما أنتجته ثقافات الصراع بين الذكور والإناث، التي نشأت في بيئات أخرى ثم تسللت إلى مجتمعاتنا، قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾.
__________________
** المصدر: صفحة ” Mohamad Khalil Assoum” بالفيسبوك، 25/7/2026.


