هيمنت قضية المرأة منذ بضعةِ عقودٍ على خطاب وأدبيات الكثير من الجمعيات والأحزاب والحركات الاجتماعية والنسائية في بلدانٍ عدةٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ. لقد استند هذا الخطاب وتلك الأدبيات إلى مجموعةٍ من الركائز التي شكلت البنيان الأساس للترويج لهذه القضية، من هذه الركائز:
الركيزة الأولى- المرأة.. قضيةٌ عالميةٌ:
تحولت المرأة بحسب هذه الرؤية إلى قضيةٍ مستقلة لها أهمية قضايا مثل: الفقر، والتلوث، والسلم، والتمييز العنصري، والديمقراطية، وسواها من قضايا يفترض أن يجتمع العالم حول أهميتها أو تهديداتها، باعتبارها قضيةً مشتركةً بين الشعوب والمجتمعات كافةً.
ومن أجل التأكيد على هذه العالمية وتبريرها، تم دمج موضوعات المرأة، مثل: الجندر، والمساواة، والتمكين مع قضايا كبرى وذات اهتمامٍ عالميٍّ في برامج الأمم المتحدة ومؤتمراتها، مثل: التنمية المستدامة، والسكان، وقمة الأرض. وتم في الوقت نفسه الربط بين تحقيق هذه القضايا الكبرى مع تحقيق المساواة وتمكين المرأة، وتغيير الأنماط الثقافية السائدة.
ففي ما سمي بـــ(أجندة 2030) التي أطلقتها الأمم المتحدة عام 2015-على سبيل المثال- تبنت مفهوم التنمية ببعد مستدام لــ17 هدفًا، كان الهدف الخامس هو: “تحقيق المساواة بين الجنسين، وتمكين جميع النساء والفتيات”، في حين توزعت الأهداف الباقية على القضاء على الفقر، وعلى الجوع، وضمان التعليم الجيد، والعيش بصحةٍ جيدةٍ، وتعزيز النمو الاقتصادي، والتصدي لتغير المناخ، والمحافظة على البحار والمحيطات والموارد البحرية، وتشجيع ظهور مجتمعاتٍ سلميةٍ، وهو ما يعني أن الهدف الخامس (تمكين جميع النساء والفتيات) له نفس أهمية القضاء على الفقر على سبيل المثال، أو له مثل أهمية العيش بصحة جيدة، أو تعزيز النمو الاقتصادي، أو التصدي للتلوث وتغير المناخ.(1)
الركيزة الثانية- الأمم المتحدة:
فقد باتت مقررات ومواثيق المؤتمرات التي عقدتها الأمم المتحدة في قضية المرأة، مقرراتٍ ومواثيقَ عالميةٍ، بات على الدول الموقعة عليها أن تكون ملزمةً بتطبيق ما وقعت عليه أمام مؤسسات الأمم المتحدة المعنية. وأن تكون ملزمةً بتقديم تقاريرَ دوريةٍ عن مدى التقدم في تطبيقها أمام لجانٍ مختصةٍ، مثل: المعاهدة الدولية للقضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1979.
هذا يعني بحسب هذه المواثيق أن قضية المرأة ومشكلاتها لم تعد قضيةً محليةً أو أسريةً أو مجتمعيةً، ولم يعد حل هذه المشكلات وتلك القضايا يتم وفق خصوصيات هذا المجتمع الثقافية أو ذاك، بل بات ما صدر عن الأمم المتحدة من قراراتٍ هو الحل، وكذلك ما جاء في المواثيق التي أصدرتها المنظمة الدولية.
الركيزة الثالثة- جمعيات ومنظمات المجتمع المدني:
أولت الأمم المتحدة التعاون مع المنظمات غير الحكومية (المجتمع المدني) أهميةً قصوى، بحيث تحوّلت هذه المنظمات إلى قوةٍ طليعيةٍ في الترويج لتلك المفاهيم، تحت حماية المنظمة الدولية التي قدمت لها الدعم المالي والمعنوي والقانوني.
وقد جاء في مقدمة كتاب (إعلان ومنهج عمل بيجين) الذي صدر عن الأمم المتحدة: “أن الأمم المتحدة ستزيد من الروابط الوثيقة وعلاقات العمل التي تربطها بالفعل بمجتمع المنظمات غير الحكومية على الصعيدين العالمي والوطني.. كما أشادت تلك المقدمة بمؤسسات المجتمع المدني التي أدت دورًا مهمًا في التحضير لمؤتمر بيجين 1995”.(2)
الركيزة الرابعة- التبرير الأيديولوجي والثقافي:
ستقوم منظمات وجمعيات المجتمع المدني بتكرار مصطلحَيْ (المرأة ضحيةٌ) و(المجتمع متخلفٌ) والتأكيد عليها، بحيث يبدو أن تلك الجمعيات ليس لها هدف إلا إنقاذ المرأة. هكذا يمكن أن نلاحظ -على سبيل المثال- الحرص الدائم على تكرار الربط بين معاناة المرأة، وبين (المجتمع المتخلف)، و(الثقافة الذكورية)، و(العادات والتقاليد)، و(السلطة الأبوية)، و(قوانين الأحوال الشخصية)، و(الزواج المبكر)، و(الاغتصاب الزوجي)، و(التخويف من المثلية).(3)
وفي هذه الركيزة (المرأةُ ضحيةٌ والمجتمعُ متخلفٌ) سيتم اعتبار ما أتت به الأمم المتحدة في قراراتها ومؤتمراتها ومواثيقها، هو من سينقذ هذه (الضحية) ويخلصها مما هي فيه، ولتصبح هذه المواثيق تحديدًا، لا أيّ مرجعيةٍ أخرى دينيةٍ أو أخلاقيةٍ أو ثقافيةٍ، هي المثال والنموذج الذي يفترض أن نقيس عليه مدى التقدم الذي أحرزته قضية المرأة في بلداننا العربية والإسلامية.
الركيزة الخامسة- الواقع السيّئ:
لقد تمت عملية الدمج بين واقعٍ سيّئٍ حقيقيٍّ تعيشه بعض النساء، يجب الاعتراف به، ولا بد من السعي لتغييره، وبين مشروع تغييرٍ ثقافيٍّ يريد أن يفرض نفسه بديلاً عن ثقافة شعوبٍ ومجتمعاتٍ متجذرةٍ منذ مئات السنين، مثل الربط الذي يحصل -على سبيل المثال- بين الظلم غير المبرر الذي قد تتعرض له بعض النساء في المحاكم الشرعية، وبين الدعوات إلى إلغاء أصل نظام الأحوال الشخصية. أو الربط بين عدم التمكين الاقتصادي والسياسي وبين النظام الذكوري المتخلف. أو بين تسلط بعض الرجال على زوجاتهن والإساءة إليهن وحتى تعنيفهن، وبين إلغاء النظام الأسري برمته وتغيير بنيته التقليدية التاريخية، وصولاً إلى تشريع نظام أسري مختلفٍ يقوم على أسرةٍ من جنسٍ واحدٍ (رجلين أو امرأتين)، وإلى قبول ممارسةٍ اجتماعيةٍ مغايرةٍ هي (المثلية الجنسية).
ومن المهم الإشارة إلى الربط الذي حصل بين التغيير المقترح من خلال هذه المفاهيم، وبين التقدم والتحرر والحداثة، بحيث بات الدفاع عن تلك الممارسات الجديدة التي تدعو إليها الجمعيات المحلية والمنظمات الدولية (مثل: الجندر، والكوتا، والعنف الأسري، ورفض الزواج المبكر، والمجتمع الذكوري، وتمكين المرأة، والأسرة من جنس واحد) بمثابة تأكيد على انتمائنا إلى القرن الواحد والعشرين، عصر التقدم والتحرر والحداثة. وقد جاء في مقدمة كتاب إعلان بيجين الصادر عن الأمم المتحدة: “إن الحركة الداعية إلى المساواة بين الجنسين على اتساع العالم هي أحد التطورات الدالة على عصرنا”(4). بحيث يبدو أن أيّ اعتراضٍ أو نقاشٍ أو حتى تردّدٍ في قبول تلك المفاهيم، كأنه نكوصٌ وتراجعٌ عن العصر، واتهامٌ بالعودة إلى عصور الانحطاط والتخلف. “فإذا لم يستطع مجتمعٌ ما أو بلادٌ ما العبور من التقليد والسنن والوصول إلى الحداثة، فسوف تصبح أرضًا حيّةً وخصبةً إلى الأبد، لكنها ستكون خارج حركة التاريخ العالمي”.(5)
_____________________
** المصدر: جزء من بحث “الجندر بما هو تحيّزٌ ثقافيٌّ غربيٌّ”، طلال عتريسي، مجلة استغراب، العدد 16، 30 يوليو 2019، بتصرف.
(1) أهداف التنمية المستدامة، 17 هدفًا لتحويل عالمنا، المساواة بين الجنسين في لبنان واقع، تحديات وآفاق (2000-2018). قراءة من منظور الهدف الخامس للتنمية المستدامة 2030. صدر التقرير عن كل من معهد العلوم الاجتماعية، ومركز الأبحاث في معهد العلوم الاجتماعية، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، 2018.
(2) إعلان ومنهج عمل بيجين، منشورات الأمم المتحدة، نيويورك، 2002، ص 10-11.
(3) راجع منشورات منظمة كفى عنف واستغلال Kafa.org .
(4) إعلان ومنهج عمل بيجين، مرجع سابق، ص 8.
(5) حسين كتشويان نيان، معرفة الحداثة والاستغراب، حقائق متضادة، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت، 2016، ص152.


