طرحتُ هذا السؤال أكثر من مرة على الطالبات أثناء محاضرات الجامعة التي أعمل فيها، والغريب أنني في كل مرة كنت أصدم من الإجابات؛ ذلك لأن معظم هذه الإجابات كانت: “لا أدري”، بل إن بعض الطالبات كن يقلن: “ليتني كنت ذكرًا ولم أكن أنثى”؛ وذلك لرؤية هؤلاء الإناث ما يتمتع به الذكور من حرية في الحركة والتنقل وغيرها، وهنَّ حبيسات مقصورات، يُخشى عليهنَّ من الهواء الطائر، كما يُقال.
أغلب الظن أنَّ الذي يدفع الإناث لقول “لا أدري” أو تمنِّي بعضهنَّ بأن يكن “ذكرًا لا أنثى” هو الجهل بمقام الأنثى: أمًّا، وأختًا، وزوجةً، وبنتًا. فلو علِمَ هؤلاء الأخوات قدرَهنَّ عند الله سبحانه، وعند رسوله صلى الله عليه وسلم لرفعنَ رؤوسَهنَّ عاليًا، وقلن: الحمد لله الذي خلقنا إناثًا.
التقوى.. ميزان التفاضل
والله سبحانه حين خلق آدم ومن ثم ذريته، لم يفرق بين الذكر والأنثى، بل أخبرنا في القرآن بشكل واضح قائلًا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات:12)، فلا فضل لذكرٍ على أنثى ولا لأنثى على ذكر إلا بالتقوى. وفي الحديث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يا أيُّها الناسُ إنَّ ربَّكمْ واحِدٌ، ألا لا فضلَ لِعربِيٍّ على عجَمِيٍّ، ولا لِعجَمِيٍّ على عربيٍّ، ولا لأحمرَ على أسْودَ، ولا لأسودَ على أحمرَ، إلَّا بالتَّقوَى. إنَّ أكرَمكمْ عند اللهِ أتْقاكُم”. رواه الإمام البيهقي في شعب الإيمان، حديث رقم: 5137 وهو صحيح.
فكم مِن إناثٍ تفوقن على الرجال، وكم مِن زوجاتٍ تقدمن على أزواجهنَّ علمًا وعملاً، وقديمًا رثَى الشاعر الفحل المتنبي والدةَ سيف الدولة الحمداني فقال:
ولو كن النساء كمن فقدنا ….. لفضلت النساء على الرجال
فما التأنيث لاسم الشمس عيب ….. ولا التذكير فخر للهلال
“لقد نظرَ المتنبّي بموضوعية لمكانةِ المرأة وتعزيزها، فليستْ تاءُ التّأنيثِ وصمةَ عارٍ أو شارةَ انتقاصٍ، بل تزيدُها وقارًا وقدْرًا، فكما أنَّ الشّمسَ أمُّ الضّوءِ، وقاهرةُ العتمةِ وآيةٌ لحياتِنا وأرزاقِنا، وكما تعكسُ نورَها على الهلالِ فيبدو مضيئّا، كذلك المرأةُ هي شمسُ البشريّةِ والوجودِ، إذ تُضفي لمسةَ جمالٍ للطّبيعةِ البشريّةِ والكونيّة، بحنانِها وضوئِها ودفئِها، وتكتملُ دورةُ الحياةِ بشروقِها”.(1)
ما فضّلت به النساء
ومما فضَّل الله به النساءَ على الرجال:
** ثلاث أرباع البر أمًّا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، مَن أَحَقُّ النَّاسِ بحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قالَ: “أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ”. رواه مسلم في صحيحه، رقم: 2548.
** حوزُ الخَيريةِ بِها زوجةً، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خَيْرُكم خَيْرُكم لِأَهْلِه، وأَنا خَيْرُكم لِأَهْلي”. رواه الإمام أحمد.
** حجابٌ من النار بنتًا، فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَن كانَ لَهُ ثلاثُ بَناتٍ فصبرَ عليهنَّ، وأطعمَهُنَّ، وسقاهنَّ، وَكَساهنَّ مِن جِدَتِهِ كنَّ لَهُ حجابًا منَ النَّارِ يومَ القيامَةِ”. رواه ابنُ ماجه في سننه، رقم: 2974.
** لها التمتع بالذهب والحرير دون الرجال، فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الحريرُ والذهَبُ حرامٌ على ذُكورِ أُمَّتي، حَلالٌ لإناثِهم”. رواه الإمام أحمد.
** لها أجر الحجاب دون الرجل، فهي مطيعةُ لله فيما أمر من الستر، وحين تخرج من بيتها ملتزمةً بأمر الله في ستر ما أمر الله بسترَه، فهي مأجورة مُثابة حتى تعود إلى بيتها، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (الأحزاب:59).
** لها ثواب الصلاة وإن لم تصل وقت الحيض، قال الشيخ ابنُ باز رحمه الله: “إذا علم الله مِنْ قلبها أنها لولا الحيض لصلت، لها أجر المصلين، مثل إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمله وهو صحيح مقيم”، وذلك لما قاله أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: “إذَا مَرِضَ العَبْدُ، أوْ سَافَرَ، كُتِبَ له مِثْلُ ما كانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا”. رواه البخاري في صحيحه، حديث رقم: 2996.
** لها أجرُ الحمل والولادة والإرضاع، وكل هذا دون الرجال مما كتبه الله على بنات حواء: الحمل، والولادة، والإرضاع، وهنَّ مأجوراتٌ على تحملهن آلام الحمل، مأجوراتٌ على صبرهن على آلام الولادة، مأجوراتٌ على مصابرتهن على طول فترة الإرضاع.
وقائمة ما فضَّل الله به المرأة على الرجل كثيرة، ولكني أجد نفسي مضطرًا للقول في الختام:
قد فضل الله النساء على الرجال بأمور خصهنَّ بها، وفضل الرجال على النساء بأمور خصَّهم بها، وكما أن الأمور التي فُضلت بها النساء وخُصوا بها لا يحل للرجال المطالبة بها، كذلك لا يحل للنساء المطالبة بالأمور التي فُضل بها الرجال وخُصوا بها، ويكفي الرجال والنساء قول الله سبحانه: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}(النساء:).
_____________________
** المصدر: موقع الرسالة، 2/7/2023، بتصرف.
(1) آمال عواد، المرأة كوكب يستنير به الرجل.


