“حلمي ليس دبلة وخاتم، بل أحلم بلحظات: التخرج والسفر والسيارة…”، هذه العبارة -وما شابهها- أصبحت ترددها كثير من الفتيات، وهي عبارات تحتاج إلى النقاش والتفكيك؛ لما تتضمنه من أفكار تنطلق من منظور غربي، وتؤثر بالسلب على تماسك الأسرة والمجتمع. وسأتناول بعض النقاط التي تفكّك هذه العبارات وتدحض تضميناتها على النحو التالي.
ضبط البوصلة والبواعث
أولاً– نحن خُلقنا عبادًا وإماءً لله تعالى، فالهدف من خلقنا تحقيق العبودية بمعناها الشامل، بأصولها وفروعها وشعبها، وكل أمر نُقدم عليه في هذه الدنيا الأصل فيه أن يكون وسيلة للتقرب لله تعالى. فالزواج والعلم والذرية هي جسور نعبر بها إلى الجنة، والغاية الكبرى هي ما أرشدتنا إليه الآية في سورة الفاتحة {اهدنا الصراط المستقيم}. لذا علينا أن نضبط البوصلة والبواعث التي تحرّكنا. فليس الهدف من الدنيا أن نتزوج، ولا أن نكنز المال، ولا أن نحصل على شهادات جمة، بل أن نسعى في عبادة ربنا، وهذه الأمور تكون وسائل تعيننا للوصول. فالحلم بالسفر والسيارة والتخرج يحتاج إلى ضبط.
ثانيًا– التي كتبت هذه العبارة، تنطلق من معيار الغرب في النجاح في الدنيا، وتزدري القيم الإسلامية. فهي تنطلق من الفردانية ومنظومة الرأسمالية والنفعية المحضة، أي أنها تجعل من المال والعلم المحض والسفر والرفاهية غايات في حد ذاتها. وهي بذلك تستقلّ من منظومة الزواج والإنجاب والتربية، التي وصفها الله تعالى في كتابه الكريم أنها سكن ولباس ومودة ورحمة، ورغّب بها من خلال نبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم الذي حثّ على الزواج بأيسر الصداق، ووضع معايير لاختيار الزوج والزوجة، وحضّ على الإكثار من النسل، وغير ذلك الكثير.
والتربية لها شأن عظيم، إذ تُنشىء رجالاً ونساءً يعبدون الله، ويعمّرون الأرض، وقد ذكر الله تعالى فضل الوالدين في كتابه الكريم، وجعل عقوقهما من الكبائر. ولو لم يكن لهذه المسؤولية شأن عظيم لما رتّب على من يعقّ الوالدين وزرًا وإثمًا عظيمًا. والكلام عن فضل وأهمية الزواج والأمومة وصلة الرحم يطول. ومربط الفرس أن لا تنخدعوا بمن يزهّد من هذه المهمات والمسؤوليات، وينفّر الناس منها، فالأصل تصحيح المفاهيم والنظر من عدسة الخالق لا المخلوق.
أولويات ومسؤوليات المرأة
ثالثًا– هل العلم والوظيفة هما فعلاً ما تسعى إليهما المرأة؟ أليس من فطرة المرأة الميل إلى من يحتويها ويقوم عليها، وأن تشعر بالأمومة كي تكتمل أنوثتها؟ أليس في الدين والعلم والفطرة شواهد تصدّق ما نقول؟ لماذا نجعل هذه الأمور في آخر الاهتمامات وهي كانت وما زالت من أولويات المرأة؟ أليس هذا ضحكًا على النفس وانسياقًا نحو ما تسعى إليه النسويات الغربيات؟ كثير من النسويات الغربيات نفسهن يعترفن بميلهن للزواج والاستقرار والأمومة، وهذا بشواهد منتشرة على الصفحات؛ لذا ينبغي أخواتي التريث عند قراءة مثل هذه المنشورات، وعدم المساهمة في نشرها كي لا تكنّ شريكات في بث الأفكار المضللة والمنتصرة للفكر الغربي المبتذل، الذي نعلم جميعًا العواقب التي يعيشها الآن بسبب انتكاس الفطرة وطمسها.
كلامي هذا لا يعني طرح العلم والعمل جانبًا، بل ديننا يحث على العلم النافع والحرص على ما ينفعنا، ولكن دون الإطاحة بأولويات ومسؤوليات هي من مقاصد خلقنا على الأرض. ولكن هذا الخطاب هو من جملة الخطابات التي تنفّر من الحلال والاستقرار والتربية، وتزيّن كل ما يتفق مع منظومة الفردانية والاستقلالية والسعي نحو الملذات الدنيوية؛ لذا وجب التحذير من مشاركة هذه الأفكار.
موقف الغربيات من العمل
وهاكم دراسة ذكرتها الكاتبة الغربية كاري ال. لوكاس في كتابها (خطايا تحرير المرأة)، جاء فيها: “في عام 1996م أجرى منتدى المرأة المستقلة استطلاعًا للرأي سأل النساء المشاركات فيه: إذا كان لديك ما يكفي من المال لتعيشي حياة مريحة كما تتمنيها، هل ستفضلين: العمل في وظيفة بدوام كامل. العمل في وظيفة بدوام جزئي. العمل التطوعي. الاشتغال برعاية أسرتك في المنزل؟
أجابت ثلث النساء بأن العمل بدوام جزئي سوف يكون خيارهن المثالي، وفضّلت ما يقرب من ثلث آخر من النساء البقاء في المنزل مع الأطفال، واختارت 20% من النساء العمل التطوعي، ليتبقى 15% فقط اخترن العمل بدوام كامل”.
وتحلل كاري إل. لوكس ذلك بقولها: “الحقيقة أن كثيرًا من النساء لا يرغبن في أن يكنّ مرغمات على العمل خارج المنزل، ويلجأن لذلك فقط بدافع الاحتياج المادي. هن يفضلن قضاء الوقت في تنشئة أطفالهن، وفي المشاركة الاجتماعية، عوضًا عن السعي وراء سياسات عامة تستهدف تيسير هجرة النساء نحو سوق العمل”.
_____________________
** المصدر: صفحة “حنان فراج” بالفيسبوك، 3/7/2023.


