من المنهجيات المنتشرة في عمل الحركات النسوية داخل المجتمعات -سواء الغربية أو العربية- هي منهجية ترويج فكرة المظلومية والاضطهاد التي تقع على المرأة؛ لإظهارها بمظهر الضحية، وفي هذا الإطار تتعمد النسويات نشر مبالغات، وأحيانًا أساطير وخرافات حول معاناة المرأة وضياع حقوقها، في محاولة لاستثارة الضمير الإنساني؛ للوقوف بجانب مطالبها، والضغط على الرأي العام العالمي وعلى صناع القرار؛ للموافقة على مطالبها التي تتجاوز حدود المساواة بالرجل إلى العداء غير العقلاني للرجال.
ليس معنى هذا أن المرأة في المجتمعات الغربية أو في مجتمعاتنا لا تعاني من ضياع بعض حقوقها المشروعة، لكن الحديث هنا عن المبالغة ونسج الأكاذيب، وترويج الشائعات حول هذا الأمر، وانتشار هذه المبالغات في وسائل الإعلام وعلى لسان المعنيين بقضايا المرأة.
من صور المبالغة
كريستينا هوف سومرز، الكاتبة والأكاديمية الأمريكية المتخصصة في قضايا النسوية، رصدت عدد من هذه المبالغات في مقال لها بمجلة التايم الأمريكية، وكشفت أن كثيرًا مما يتم تداوله عن محنة النساء هو غير صحيح، وأطلقت عليها أساطير مفندة لهذه الإدعاءات بالتحليل والنقد. وتشير الكاتبة إلى أن الكثير من هذه المبالغات الكاذبة من كثرة انتشارها وتداولها أصبحت أساس مناقشات مطولة في الكونجرس، بل ومصدرًا لتشريعات جديدة.(1)
ومن الأساطير التي رصدتها الكاتبة: القول بأن المرأة هي نصف سكان العالم، تعمل ثلثي ساعات العمل في العالم، وتحصل على 10٪ من الدخل العالمي، وتمتلك أقل من 1٪ من ممتلكات العالم.
وتتحدث سومرز أن هذه المبالغة يتناقلها بشكل معتاد وروتيني الجماعات الحقوقية، والبنك الدولي، ومنظمة أوكسفام ومنظمة الأمم المتحدة. مشيرة إلى أن هذه الأرقام ذكرت من قبل سالي بادن وآن ماري غوتز، الخبيرتين في النوع الاجتماعي والتنمية في جامعة ساسيكس البريطانية منذ 15 عامًا، نقلاً عن أحد العاملين في الأمم المتحدة، وذكره في سياق بيان حجم التفاوت بين الجنسين في ذلك الوقت، ولكن ليس هناك دليل على أن هذه الأرقام كانت دقيقة في أي وقت مضى، وبالتأكيد اليوم أيضًا.
يكفي أن نشير إلى أن نساء الولايات المتحدة وحدهن يملكن 5,4 % من الدخل العالمي اليوم، بحسب إشارة أحد المتخصصين الاقتصاديين، وفي البلدان الإفريقية حيث إن المرأة أقل ثراء وتقدمًا من نظيرتها الغربية، يشير الاقتصادي يل شيريل دوس أن نسبة تملك النساء للأراضي تراوحت بين 11%، كما هو الحال في السنغال، و54% كما هو الحال في رواندا وبوروندي.
وتعدد سومرز عدد آخر من المبالغات، نحو المبالغات في قضية العنف ضد المرأة، والمبالغات في قضايا التحرش، والاسترقاق الجنسي؛ لتخلص في نهاية المقال أن كثيرًا من الادعاءات والأرقام التي يتم تداولها غير دقيقة، وأن النسوية تستغل حالة الأمية الإحصائية عند الصحفيين والأكاديميين والقادة السياسيين؛ لترويج مثل هذه الأرقام، مستغلين في الوقت نفسه الطبيعة البشرية للانتصاف للضعيف، وحماية المضطهد، غير مدركين أنهم بترويج مثل هذه الإحصاءات الخاطئة، يوجهون الاهتمامات والدعم المادي نحو القضايا الخاطئة، ويعززون التعصب بين أبناء المجتمع.
في مجتمعاتنا العربية يزداد الأمر سوءًا إذ إن انعدام ثقافة الأرقام، وغياب الإحصاءات الدقيقة، تدفع النخب والساسة وصناع القرار إلى تصديق كل ما تروجه المنظمات النسوية من مبالغات عن قضايا المرأة، ويتم تناول قضايا كزواج الصغيرات والختان والتحرش وتعنيف المرأة…إلخ، بصورة فيها الكثير من المبالغة والتضخيم، فتستهلك هذه القضايا الوقت والجهد، وتنفق أجهزة الدولة المليارات لمعالجة هذه القضايا، وهكذا تظل هناك قضايا تدافع عنها النسوية، وتبرر بها وجودها، وتتلقى الدعم من أجلها، وتتسلل من خلالها لنشر فكرها المنحرف.
_______________________
** المصدر: موقع لها أون لاين، 19/9/2015، بتصرف يسير.
(1) Christina Hoff Sommers, 6 Feminist Myths That Will Not Die, time.com, Jun 17 2016.


